محمد أبو زهرة
3677
زهرة التفاسير
لعلك تارك بعض ما يوحى إليك بسبب إيذائهم المتوالى وسفاهتهم معك ، أو يضيق صدرك في عدم خضوعهم للمعجزة الكبرى وقد تحديتهم فعجزوا ، ثم طلبوا معجزات أخرى . وهذا هو الذي نختاره . وقد أنكروا على النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه فقير وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) [ الزخرف ] . وأنكروا أن يكون بشرا منهم رسولا وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ . . . ( 7 ) [ الفرقان ] . أنكروا الأمرين وطلبوا معجزة واقعة لأحدهما وقالوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أي مال مكنوز يفعل فيه مثل الذين يكنزون الذهب والفضة . والمعجزة أن ينزل عليه إنزالا من غير أي سبب من أسباب الكسب فيكون له جبل من ذهب وآخر من فضة ، وبذلك يدفع فقره ويكون اتباعه لثروته ولإنزال هذه الثروة والإعجاز بها ، أما الأمر الثاني فيدفع بأن يكون معه ملك ، وتكون الرسالة برسول سماوي لا برجل يمشى في الأسواق مثلهم ، وقد بين اللّه استحالة ذلك بقوله تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) [ الأنعام ] . ولقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم حريصا على إيمانهم راغبا فيه ، ولذا قال تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 56 ) [ القصص ] . ولذا قال تعالى : إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ، أي إنك مقصور على الإنذار بمقتضى الرسالة وليس عملك الهداية ، بل التوجيه والتخويف لمن عصى ، والتبشير لمن اهتدى ، ووضع العلامات على الطريق لكيلا يضل أحد وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ، أي إنه جل جلاله حفيظ على كل شئ ، فتوكل عليه في دعوتك ولا تأبه لهم ، فاللّه سبحانه حافظك منهم ومن طغواهم وهو سبحانه عالم بكل ما يصنعون ، ومعاقبهم عليه ، وهم راجعون إليه سبحانه وتعالى ، ولن يفلتوا من جزاء ما يفعلون ، فتوكل على اللّه الحي القيوم ، وامض فيما أمرك به ؛ إنه عليم بذات الصدور .